السبت، 16 أكتوبر 2010

عبير عبد الوهاب تكتب: مش باقي مني..


عبير عبد الوهاب تكتب: مش باقي مني..

ما أقساها تلك اللحظة التي وقفنا فيها سويا ننظر من "بلكونة" المبنى القديم نودّع كل اللحظات الجميلة التي مر عليها خمس سنوات تركت بداخل كل واحد فينا علامات محفورة يصعب تجاوزها بسهولة..

هنا كنا نجلس داخل الغرفة التي يحمل بابها لافتة "قسم الفن" والتي تقع في وشك وانت داخل الشقة اللي على ايدك الشمال في مقر جريدة "الدستور".

وهنا كنا بنتجمع كلنا حول التكييف الصغير "قوة ربع حصان" الذي حاولنا معه مرار وتكرارا علشان يشتغل ومشتغلش لحد النهاردة.. وهنا كانت دعاء سلطان تجلس على مكتبها وهي تصرح متسائلة :"مين اللي قعد على مكتبي قبل ما أنا أجي ووقّع عليه أكل؟" فينظر لها محمد حسين وهو فاتح "بقه" من الدهشة دون ان يخبرها بان هو اللي كان قاعد على مكتبها، وينتهي الحوار بينهما يوميا دون ان تحصل دعاء سلطان على اجابة لسؤالها التاريخي.

اما هنا في منتصف الترابيزة بالظبط فكان يجلس رامي المتولي ليمارس هوايته المفضلة في خدمة كل الموجودين تكنولوجيا.. اسلام الويندوز بتاعه ضرب.. نجد رامي اول من يعرض عليه المساعدة لاعادة "تسطيب" نسخة ويندوز جديدة لجهازه، حميدة تشكو من ان الكي بورد بايظ.. نجد رامي وقد اصلحه لها في خمس دقائق.. دعاء بتدور على فلاشة في اقل من ثلاث ثواني يكون رامي اتصرف في فلاشة.. ياما انقذنا من كوارث تكنولوجية محققة.

بينما تجلس حميدة أبو هميلة في الركن البعيد الهاديء امام شاشة الكمبيوتر الكبير لتمارس عملها في هدوء غريب لا يتناسب مع جو الدوشة الذي كان يسيطر على الغرفة في ظل خناقات محمد حسين ورضوى اليومية والحوارات الجانبية، وفي الخلفية يعلو صوت أحمد سعد وهو يغني "مش باقي مني.." وهي الاغنية التي صنعت منها دعاء نشيد وطني للقسم من كتر ماكانت بتشغلها، في وسط كل هذه الأصوات المتداخلة كانت حميدة تعمل في هدوء عجيب سريعا ما ينتهي بصوتها وهي تصرخ :"بس بقى يا جماعة مش عارفة اشتغل"، وهو الانفعال الذي يزداد مع اقتراب ساعة الصفر بسؤال دعاء سلطان الشهير :"أخبار الشغل ايه.. عندنا ايه النهاردة؟" وهو السؤال الذي تزداد حدته يوم الجمعة –يوم تقفيل الاسبوعي- لكن سريعا ما تنتهي حالة التوتر بايميل من ايهاب التركي يحتوي على "كبشة" مواضيع اسبوعي تنقذ الموقف سريعا وتجعلنا نلتقط أنفسانا بعد ان ظلت محبوسة لفترة طويلة.

احمد خير الدين.. كنا دايما بنعرف قيمته بعد أن تنهار قوى حميدة فتحمل شنطتها وجري على بيتها، وقتها كانت تبدأ مهمة احمد خير القومية في "دسكة" ما تبقى من شغل الصفحة، لكن تبقى اللحظة الأهم والأكثر تأثيرا فينا جميعا هي تلك التي يدخل فيها "خير" من باب الاوضة وفي يده لفائف "المشبّك" اللي جابها معاه من دمياط بتوقيع العظيم "فشور".

رضوى الشاذلي لا اتذكر أنني شاهدتها يوما وقد توقفت عن الضحك، حتى وهي بتشتغل كانت بتضحك.. صحيح كانت بتجنننا وماكناش بنعرف نشتغل منها، لكن بمجرد أن تبدأ فقرتها اليومية مع محمد حسين -واللي كانت دايما بتنتهي بنكد- كان كل واحد فينا لازم يسيب اللي في ايده ويتابع الفقرة باهتمام لأنها قد تكون اللحظات الوحيدة التي هنضحك فيها من قلبنا طوال يوم طويل مشحون بضغوط العمل. وبينما كان محمد طارق يتابع الفقرة بابتسامته المميزة، كان اسلام مكي يرفض أن يجلس معنا في مقاعد المتفرجين فقد كان حريصا على المشاركة في الفقرة اليومية بين حسين ورضوى بأي حاجة انشالله لو بتصوير الفقرة بكاميرا موبايله.

أما محمد عبد الكريم فكان يتابع كل هذه المغامرات عن بعد في صمت تام يخرج عنه صارخا "بسسسسسسسسسسسسسس" ثم يفاجئنا بعدها بايفيه عبقري ينهي به القعدة كلها في ثانية واحدة بحالة ضحك جماعي كنا ننتظرها منذ اللحظة الأولى لدخوله من باب الغرفة.. بعدها نلتقط انفاسنا في استراحة قصيرة نتابع خلالها احدث مستجدات باربي قسم الفن "سوزان وليد" التي لم تتخلى يوما عن اللون البمبي في اختياراتها للاشياء، لنفيق بعدها على اتصال من محمود لطفي يذكرنا فيه بأن خبره العاجل الذي أرسله من تلتربع ساعة لسة منزلش على الموقع.. ليخيم الصمت على المشهد للحظات مع صوت رضوى وهي بترد على جرس التليفون قائلة: "الو.. ايوة موجودة يا استاذ ابراهيم.. ثم تبعد السماعة عن أذنها قليلا وتلتفت لدعاء قائلة :"يا دعاء كلمي استاذ ابراهيم عيسى". كل هذه الصور مرت أمام أعيننا في لحظات خاطفة ونحن ننظر من بلكونة القسم على شارع أحمد نسيم قبل أن نغادر المبنى بدقائق، في نفس الوقت الذي كان العمّال يقومون فيه باخلاء المكان..

ها هم يحملون المكتب الذي كان يجلس عليه محمد حسين والذي شهد الشرارة الأولى لمغامراته مع رضوى واسلام، وهاهو عامل آخر يحمل جهاز الكمبيوتر الذي كانت حميدة تجلس امامه بالساعات يوميا لدرجة اننا كنا بنقول لها :"وشك هيبقى شبه المربع يا حميدة"، وها هي مجموعة أخرى من العمال تحمل الترابيزة التي شهدت "لمتنا" تحت التكييف البايظ يوميا حتى نفقد فيه الأمل فنقرر نفتح الشباك، وهاهو مكتب دعاء سلطان يغادر الغرفة ويحمل معه سر محمد حسين الذي أخفاه عنها طوال هذه السنوات، وهاهو معرض الصور الذي قام اسلام بتجميعه من المجلات وبوسترات الألبومات ولصقه على جدران الحائط بايده صورة صورة، هاهي الصور ملقاة "بلا رحمة" على أرضية الغرفة التى تحولت لأربع حيطان وسقف بعد أن خلت من كل شخوصها، ومحتوياتها، ولم يبق فيها منّا سوى صوت أحمد سعد وهو يتردد في المكان: "مش باقي مني غير شهقة في نفس مقطوع.. وأنا صوتي مش مسموع.. يا حلمنا الموجوع.. من المرور ممنوع"

موقع الدستور السبت 16\10\2010

الأربعاء، 13 أكتوبر 2010

متفرجون















فى دائره..

جميعهم حولى هنا يتمثلون..

ولا أحد يخطو إلى خطوة..

بالنظر هم.. لقد اكتفون..

أصرخ..

لكنهم ما من وجود..

لا ينطقون..

وكأننى وهم..

أو هم سراب واقفون..

يكاد ينفذ من شرايينى دمى..

وهم فقط.. يحملقون

..

هذا -حبيبى- بينهم..

ها قد خطا..

إقترب منى..

أكاد أشعر نبضه..

وعنه هم يتباعدون..

أنتظره..

أراه يرقص.. فهم جميعا يرقصون..

على دمى ...

وفيه ظلوا يبعثرون..

فى الأرض .. ملقاة أنا..

وفوقى.. هم.. يتقازفون..

ناديتهم..

كفوا.. جسدى يفارق روحه..

وهم .. لازالو يعبثون..

دمى يسيل..

الكل ينظر.. حتى أنا..وجدت روحى بينهم..

متفرجون..

الاثنين، 11 أكتوبر 2010

بلال فضل يكتب: السيد الليبرالي


بلال فضل يكتب: السيد الليبرالي

ربما كان الوجه المشرق الوحيد لجريمة ذبح صحيفة الدستور هوأنها أكدت للمتشككين أن المسلمين والمسيحيين من أبناء هذا الوطن مازالوا قادرين على العمل المشترك من أجل خفض هذا الوطن، بدليل أن رجل الفضاء والدواء السيد البدوى وشريكه رجل المدارس الغالية رضا إدوارد قررا دون ضجيج ولا صخب أن يقفا متعانقين على أنقاض صحيفة الدستور، ولم يفعلا ذلك مجاناً، كما اعتاد زبائن موائد الوحدة الوطنية، بل دفعا فيه ستة عشر مليون جنيه، وشوف أنت مبلغا كهذا يعمل كام مائدة وحدة وطنية؟.

الدكتور البدوى نفى مراراً وتكراراً أن تكون هناك صفقة من الحزب الوطنى لإبعاد الأستاذ إبراهيم عيسى عن الصحيفة، التى اصطنعها على عينه وجدد بها دماء الصحافة المصرية وكتب بها فصلاً مشرقاً ممتدا فى تاريخها وأقض بها مضاجع المستبدين والفسدة ويقدّم للصحافة المصرية جيلاً مشرقاً لامعاً من الكتاب والصحفيين والفنانين. أنا بالطبع أصدق الدكتور البدوى، لكن معرفتى بعبقريته فى مجال البيزنس، جعلتنى أستشيط غضبا عندما وجدت أنه قام بذبح صحيفة الدستور، فى أغلى عملية ذبح فى تاريخ الصحافة، وبدد آمال الكثيرين فيه كبديل جاد عن أراجوزات المعارضة، فضلا عن هز الثقة التى بدأ الملايين يستعيدونها فى حزب الوفد بشكل أقض مضجع الزعيم مصطفى النحاس فى قبره، وكل ذلك ببلاااااااااش، ثم يتصور أنه بإعلان بيع أسهمه فى صحيفة الدستور لشريكه رضا سيعفى نفسه من مسؤولية ذبح الصحيفة وإسكات صوت إبراهيم عيسى.

طيب، أنتم تعرفون الدكتور السيد البدوى، لكن هل تعرفون الأستاذ رضا إدوارد؟، لم أعرفه شخصيا لسوء حظى، لكن تصريحاته التى تنشر كثيرا فى الصحف هذه الأيام دون صور شخصية له، توحى بشخصية كوميدية من الطراز الرفيع، لدرجة أننى أفكر فى أن أقوم بتحويل أوراق أبناء أقاربى ومعارفى إلى المدارس التى كتبوا أنه يمتلكها، لعلهم «يلقطون» قدرته على صناعة النكتة، يقولون فى الصحف إنه قال لصحفيى الدستور المحتجين على إقالة أستاذهم «أنا ممكن أطلّع الجرنان ده برجلى بكره»، نُشِر هذا الكلام فى أكثر من موضع ولم أقرأ ردا منه عليه، فظننت أن من نشروه يفتئتون على الرجل، لكننى بعد أن شاهدت الأعداد الصادرة من الدستور بعد رحيل إبراهيم عيسى عنها، تأكدت أن «رِجل» الأستاذ رضا ضالعة فى هذه الأعداد لا محالة، وأغلب الظن أنه لم يكن يرتدى جوارب أثناء تطليعه لها.

الأستاذ رضا قال، فى تصريح لوذعى نشرته له صحيفة الشروق «لو اجتمع الرئيس مبارك بكل رؤساء العالم وقرروا إعادة إبراهيم عيسى إلى رئاسة التحرير فلن أعيده»، فكرت بعد قراءة التصريح أن أقوم بزيارة مفاجئة للدكتور مصطفى الفقى، لأستعير محموله أبو«برايفت نمبر» ثم أتصل منه بالأستاذ رضا وأقلد صوت الرئيس قائلا بصوت غاضب «إيه الكلام اللى بتقوله ده يارضا.. هىّ حصّلت.. رؤساء عالم إيه اللى أقعد معاهم عشان أتكلم عن إبراهيم عيسى.. رَجّع إبراهيم يا رضا»، ثم أقفل الخط فورا، لنرى فى اليوم التالى السيد رضا وهويعانق إبراهيم عيسى ويحب على رأسه أمام عدسات الكاميرات، وإلى جوارهما الدكتور البدوى بابتسامته المشرقة الملتصقة بوجهه منذ عودة حزب الوفد الجديد.

وهو يعلن للصحفيين والدموع تترقرق فى عينيه بحكم عاطفته الجياشة التى تقلب بدموع كلما وقع قرار إقالة قائلاً: «يا إخوانى ماجرى كان مجرد كابوس والحمد لله أننا أفقنا منه بفضل مكالمة السيد الرئيس، ولذلك أعلن استقالتى من الاستقالة التى قدمتها من رئاسة مجلس إدارة الدستور، وأعتذر للمائة وخمسة وثمانين صحفيا الذين حاولت إقناعهم خلال الأيام الماضية بأن يتولوا رئاسة تحرير الدستور بأى مبلغ يطلبونه، وأعلن عن إنتاج عمل تليفزيونى ضخم عن حياة الأستاذ رضا إدوارد يقوم ببطولته كل من الفنان رضا إدريس والفنان إدوارد اللذين سيلعبان معا شخصية الأستاذ رضا، بعد الحصول على الموافقات اللازمة من الأجهزة المختصة».

نعم فكرت أن أفعلها وأكذب، وأنا أعرف أن الكذب خيبة، لكنهم يقولون إنه مباح إذا كان بغرض إصلاح ذات البين، فما بالك إذا جاء بهدف إنقاذ الدكتور السيد البدوى من ورطاته المتكررة التى بات يتعثر فيها كلما فتح فمه هذه الأيام، فهويقول كلاما ينفيه شريكه رضا بعدها بساعات، ثم يقول كلاماً قاسياً بحق إبراهيم عيسى فى غيابه، وعندما يواجهه إبراهيم على الهواء كما رأينا فى قناة المحور يلين له القول، وهانحن بعد أيام طويلة من الاستماع إلى تصريحات الدكتور البدوى لم نعد نأمل فى أن نجد لديه حلولا لمشاكل مصر، بقدر ما بتنا نأمل فى أن نفهم منه كلمتين على بعض فى موضوع إبراهيم عيسى الذى لم نفهم كيف يمكن أن تتفق إقالته مع مبادئ الليبرالية وثقافة الحوار وأخلاق الوفد العريقة، حتى بات الناس فى بر مصر يسألون الله ألا يكتسح الدكتور البدوى انتخابات مجلس الشعب القادمة ويصل إلى كرسى الرئاسة، بعد أن اتضح أن الدكتور الليبرالى خُلقه ضيق، فعندما يختلف معه رئيس تحرير يقيله فى اليوم التالى غيابيا، دون حتى أن يأخذ ويعطى معه فى الكلام، لذلك يمكن للشعب أن يجد نفسه وقد تمت إقالته من البلد إذا اختلف مع رئيسه السيد البدوى، على أن يقوم شريكه السيد رضا إدوارد فى اليوم التالى بتطليع الشعب برِجله.

المقال منشور في عدد الاثنين 11-10-2010 من جريدة المصري اليوم